نشرت مؤسسة الإحصاء التركية (TÜİK) بيانات مبيعات المساكن في تركيا لشهر أغسطس 2026، وتقدم الأرقام صورة مهمة عن حجم المعاملات وتغير تركيبة الطلب في السوق العقاري.
بلغ إجمالي مبيعات المساكن في تركيا خلال أغسطس 127,410 وحدة، بانخفاض قدره 14.7% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025.
لكن قراءة الرقم الإجمالي وحده لا تكفي لفهم السوق. فالتفاصيل تكشف اختلافاً واضحاً بين مبيعات العقارات الجديدة وإعادة البيع، إلى جانب ارتفاع المبيعات الممولة بالرهون العقارية.
مبيعات العقارات الجديدة وإعادة البيع
بلغت مبيعات العقارات الجديدة، أو ما يعرف بـ«أول بيع»، 44,378 وحدة خلال أغسطس، بانخفاض سنوي قدره 4.5%.
أما مبيعات العقارات المعاد بيعها فبلغت 83,032 وحدة، بانخفاض 19.4% مقارنة بأغسطس 2025.
وبذلك شكلت مبيعات العقارات الجديدة 34.8% من إجمالي المبيعات، بينما مثلت العقارات المعاد بيعها 65.2%.
هذه النسبة مهمة للمستثمر، لأن سوق إعادة البيع يمثل جزءاً كبيراً من حركة العقارات في تركيا. وبالتالي فإن تقييم العقار لا ينبغي أن يتوقف عند سعر الشراء أو مواصفات المشروع، بل يجب أن يشمل أيضاً قدرة العقار على المنافسة في سوق إعادة البيع مستقبلاً.
ارتفاع المبيعات الممولة بالتمويل البنكي
في أغسطس، ارتفعت مبيعات المساكن المرهونة بالتمويل البنكي بنسبة 7.2% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
وهذا مؤشر يستحق المتابعة، لكنه لا يعني بمفرده أن ظروف التمويل أصبحت سهلة أو أن الطلب الممول عاد إلى مستويات مرتفعة. فالتمويل العقاري يتأثر بتكلفة الاقتراض، وشروط البنوك، ودخل المشترين، ومستوى أسعار العقارات.
لذلك يجب قراءة هذا المؤشر ضمن الصورة الأوسع للسوق.
ماذا عن المشترين الأجانب؟
بلغت مبيعات المساكن للأجانب في أغسطس 1,938 وحدة، أي ما يقارب 1.5% من إجمالي مبيعات المساكن في تركيا.
وتظل إسطنبول وأنطاليا من أبرز الوجهات بالنسبة للمشترين الأجانب.
لكن انخفاض حصة الأجانب من إجمالي السوق يوضح أيضاً أهمية النظر إلى الطلب المحلي عند تقييم العقار.
فالعقار الذي يعتمد في إعادة بيعه على شريحة ضيقة من المشترين الأجانب قد يواجه منافسة مختلفة عن العقار الذي يتمتع بطلب محلي واسع.
هل يعني انخفاض المبيعات أننا أمام «سوق مشترين»؟
ليس بالضرورة.
انخفاض عدد الصفقات لا يعني تلقائياً انخفاض الأسعار، ولا يعني أن جميع المشترين أصبحوا في موقع تفاوضي أقوى.
لفهم قوة المشتري والبائع نحتاج إلى النظر إلى عوامل أخرى، مثل:
- مستوى الأسعار الفعلي في المنطقة.
- حجم العقارات المعروضة للبيع.
- مدة بقاء العقار في السوق.
- الفارق بين السعر المطلوب والسعر الذي يتم به البيع.
- مستوى الطلب المحلي والأجنبي.
- جودة المشروع وموقعه.
- المنافسة من المشاريع الجديدة.
- وإمكانية إعادة بيع العقار في المستقبل.
لهذا السبب أرى أن قراءة السوق على المستوى الوطني يجب أن تكون نقطة البداية، وليست نقطة النهاية.
من «العقار المؤهل» إلى «العقار القابل لإعادة البيع»
في عملي مع المستثمرين، أركز على دورة الاستثمار كاملة:
اختيار العقار → الشراء → الاستثمار → إدارة الأصل → إعادة البيع.
فالعقار قد يكون مناسباً من ناحية شروط الاستثمار، وقد يكون جديداً، وقد يمتلك مواصفات جذابة عند الشراء، ولكن ذلك لا يضمن بالضرورة سهولة بيعه لاحقاً.
السؤال الذي أطرحه قبل شراء العقار هو:
من سيكون المشتري المحتمل عندما أقرر البيع؟
هل سيكون هناك طلب محلي؟
هل السعر الذي أدفعه اليوم قريب من القيمة التي يستطيع السوق قبولها مستقبلاً؟
هل المنطقة تمتلك الخدمات والبنية التحتية والكثافة السكانية التي تدعم الطلب؟
وهل سأبيع عقاراً ينافسه عدد محدود من الوحدات، أم سأجد نفسي أمام عشرات أو مئات الوحدات المشابهة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يكون هدف المستثمر ليس مجرد شراء العقار، وإنما الحفاظ على قيمة الأصل والخروج منه في الوقت المناسب.
رؤيتي لسوق إسطنبول
بالنسبة إلى المستثمر الذي يبحث عن عقار في إسطنبول، لا أرى أن اختيار المنطقة يجب أن يعتمد على اسم المشروع أو حداثته فقط.
هناك فرق بين منطقة ما زالت في مرحلة التطور وبين منطقة أصبحت فيها الخدمات والبنية التحتية والطلب الفعلي أكثر رسوخاً.
وهذا لا يعني أن المناطق الجديدة غير مناسبة للاستثمار؛ بل يعني أن تقييمها يحتاج إلى دراسة مختلفة، خصوصاً عندما يكون سعر العقار قد سبق مستوى نضج المنطقة.
في النهاية، لا تشتري العقار فقط لأنه مناسب للشراء اليوم؛ فكر أيضاً في السوق الذي ستبيعه فيه غداً.
الخلاصة
بيانات أغسطس 2026 تظهر انخفاضاً في إجمالي مبيعات المساكن في تركيا، مع انخفاض أكبر في مبيعات إعادة البيع مقارنة بمبيعات العقارات الجديدة، وفي الوقت نفسه ارتفاع المبيعات الممولة بالرهون العقارية.
لكن بالنسبة للمستثمر، الأهم من قراءة هذه الأرقام منفردة هو فهم ما وراءها:
العقار الجيد ليس فقط العقار الذي تستطيع شراءه، بل العقار الذي يستطيع السوق أن يستوعبه عندما تريد بيعه.
وهذا هو السبب في أنني أتعامل مع الاستثمار العقاري من منظور يتجاوز عملية الشراء نفسها، ويضع إعادة البيع وقابلية الأصل للتداول ضمن عناصر القرار منذ البداية.
عبد الحكيم بيرقدار
Real Estate Consultant | RE/MAX Delta
Istanbul, Türkiye
المصدر: Türkiye İstatistik Kurumu (TÜİK) – Konut Satış İstatistikleri, Ağustos 2026.
